ابن كثير

197

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ولا يختلى خلاها » « 1 » الحديث بتمامه . وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع ، كما هو مبين في موضعه من كتاب الأحكام ، وللّه الحمد والمنة . وقوله تعالى : وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ من باب عطف العام على الخاص ، أي هو رب هذه البلدة ورب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له . وقوله : وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ أي على الناس أبلغهم إياه كقوله تعالى : ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [ آل عمران : 58 ] وكقوله تعالى : نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ [ القصص : 3 ] الآية ، أي أنا مبلغ ومنذر ، فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ أي لي أسوة بالرسل الذين أنذروا قومهم ، وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم ، وخلصوا من عهدتهم وحساب أممهم على اللّه تعالى ، كقوله تعالى : فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [ الرعد : 40 ] وقال إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [ هود : 12 ] وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها أي للّه الحمد الذي لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه ، والإنذار إليه ، ولهذا قال تعالى : سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها كما قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] . وقوله تعالى : وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أي بل هو شهيد على كل شيء . قال ابن أبي حاتم : ذكر عن أبي عمر الحوضي حفص بن عمر ، حدثنا أبو أمية بن يعلى الثقفي ، حدثنا سعيد بن أبي سعيد ، سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أيها الناس لا يغترن أحدكم باللّه ، فإن اللّه لو كان غافلا شيئا لأغفل البعوضة والخردلة والذرة » وقال أيضا : حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا نصر بن علي قال أبي أخبرني خالد بن قيس عن مطر عن عمر بن عبد العزيز قال : فلو كان اللّه مغفلا شيئا لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم ، وقد ذكر عن الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى أنه كان ينشد هذين البيتين إما له وإما لغيره : إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل * خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن اللّه يغفل ساعة * ولا أن ما يخفى عليه يغيب آخر تفسير سورة النمل وللّه الحمد والمنة .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 77 ، ومسلم في الحج حديث 445 ، 447 ، 464 ، وأبو داود في المناسك باب 89 ، 95 ، والنسائي في الحج باب 110 ، وأحمد في المسند 1 / 253 ، 259 ، 315 ، 316 .